فوزي آل سيف
19
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
ولاستكمال الصورة المقنعة في إمامة الإمام وقدسيته، فقد كان يتم استدعاء قسم من كلماته وأحاديثه بما يشير إلى معرفته العالية بالدين. وبطبيعة الحال كان لا بد لهذه المصادر وهي في صدد تعريف الإمام وإمامته أن تتناول ما يسمى اليوم بالحياة الشخصية للمعصوم (اسمه وكنيته وعمره وولادته مكانا وزمانا وزوجاته وأولاده وما يرتبط بذلك). إننا نجد ذلك في الكتب الأصلية كالكافي للكليني (ت 329 هـ) في أبواب الحجة من أصول الكافي، وكذلك فيما تأخر عنها مثل الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي (ت٥٦٠ هـ)، ومناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب المازندراني (ت 588 هـ)، فضلا عن الكتب اللاحقة التي نقلت عنهم. يمكن لنا أن نسجل بعض الملاحظات على هذه النوعية من الكتب: الأولى/ إنه لما كان غرض كتّابها في الغالب عقائديًّا، فقد تأثرت أبوابها وصياغة أخبارها بهذا الغرض، ولعل اسمها يدل عليها، بالإضافة إلى أن قسما من أخبارها لم يلاحظ فيها الاسانيد أو نقد المتون. الثانية / لا ريب أنه كان لهذه الكتب بهذا النحو أثر في تثبيت عقائد الكثيرين، في المعصومين عليهم السلام، واتضاح جوانب من حياتهم، ولا سيما في تبين تفوق الأئمة على معاصريهم في العلم ومعارف الدين. لكن مجموع النقطة الأولى والثانية أدى إلى وجود الكثير من الروايات التي يصعب على الناقد بل على الشاب المثقف قبولها أو فهمها، مما جعل هذه الكتب بشكل طبيعي غير قريبة من هذه الفئات لهذا السبب أو للغة صياغتها التي تعتبر قديمة ومبكرة. 2/ القراءة الثقافية والاجتماعية الدينية: ربما يعسر علينا وضع عنوان جامع لهذا النحو من القراءة، فهو من جهة ينطلق من منطلقات عقائدية (والغالب فيها تأثره بما تم تأسيسه في علم الكلام الشيعي في صفات الأئمة عليهم السلام ومنها ما هو غيبي وإعجازي) وهو في نفس الوقت يطل إطلالة على الوضع السياسي الذي عاصره الأئمة، وسياسات الحكام تجاههم وما قاموا به من أعمال تجاه تلك السياسات. بالطبع لا ينهج نفس الطريق الذي سلكه التفسير والقراءة الحركية التي سيأتي ذكرها، لا في النفَس الحاكم والفكرة المسبقة التي تساق إليها الأحداث ولا حتى في تفسير المفردات. وإن كان لا يخلو من مقدار من التحليل. ولعله لهذه الجهة نعتقد أنه أقرب إلى الذهن العام الشيعي، ويستطيع أن يجد الكثير من الشواهد على ما يحاول إثباته، كما أنه لا يحاصره الإشكال بالنقض الذي قد يحاصر أحيانا القراءة الحركية والثورية. كما أنه لا تتحسس منه الحالة التقليدية الدينية بالمقدار الذي تتحسس فيه من التفسير الحركي، ولذا ربما كانت الحوزات العلمية تشجع عليه أكثر من غيره، لما تعتقده ربما من زيادة نسبة الأمان فيه. ويصعب حصر الكتب التي جاءت في هذا السياق فإننا لو استثنينا الكتب المصدرية ذات الطابع الفضائلي من جهة واستثنينا الكتب ذات التفسير الثوري الحركي وهي ليست كثيرة، فإنه يمكن القول أن باقي الكتب التي تعرضت لسيرة الأئمة عليهم السلام كانت ضمن هذا المنهج وبهذا النحو. ينحدر بعضها ويطير بعضها الآخر. ويمكن أن نلحظ أن كتاب موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السلام للمرحوم الشيخ باقر شريف القرشي تمثل النموذج الأوضح في هذه القراءة، كما أن ما كتبه المرحوم السيد جعفر العاملي في عدد من كتبه بعنوان (الحياة السياسية للإمام الرضا / للإمام الجواد) بل وباقي كتبه في المعصومين والسيرة هو في هذا الإطار. بل أحيانا نجد باحثا[74] يكتب تارة في إطار المنهج الثوري وأخرى في المنهج الاجتماعي الديني كما سميناه.
--> 74 ) الأستاذ السيد المدرسي كتب "التاريخ الإسلامي: دروس وعبر" ضمن المنهج الثوري، وكتب سلسلة: "المعصومون قدوة وأسوة" ضمن المنهج الثاني الآخر.